الذهبي
693
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وفيها شرع الفرنج وعمدوا إلى حصنٍ بين طَبَريّه والبثنيّة يقال لَهُ : عال ، فبلغ طغتكين صاحب دمشق ، فسار وكبسهم وأسر وأخذ الحصن ، وعاد بالأسارى والغنائم ، وزيّنت دمشق أسبوعًا ، ثمّ سار إلى حصن رفنية ، وصاحبه ابن أخت صنجيل ، فحصره طغتكين وملكه ، وقتل به خمسمائة من الفرنج . وفيها ملكت الإسماعيليّة حصنَ فامِيَة ، وقتلوا صاحبه خلف بْن مُلاعب الكِلَابيّ ، وكان خَلَف قد تغلّب عَلَى حمص ، وقطع الطّريق ، وعمل أنْحَس ممّا تعمله الفرنج ، فطرده تُتُش عَنْ حمص ، فذهب إلى مصر ، فما التفتوا إِلَيْهِ ، فاتّفق أنّ نقيب فَامِيَة من جهة رضوان بْن تُتُش أرسل إلى المصريّين ، وكان عَلَى مذهبهم ، يستدعى منهم من يسلّم إِلَيْهِ الحصن ، فطلب ابن مُلاعب منهم أن يكون والياً عليه لهم ، فلما ملكه خلع طاعتهم ، فأرسلوا من مصر يتهدّدونه بما يفعلونه بولده الّذي عندهم رهينة ، فقال : لا أنزل من قلعتي ، وابعثوا إلي ببعض أعضاء ابني حتّى آكُله ، وبقي بفامية يقطع الطّريق ، ويخيف السّبيل ، وانضمّ إِلَيْهِ كثير من المفسدين . ثم أخذت الفرنج سَرْمِين ، وأهلها رافضة ، فتوجّه قاضيها إلى ابن مُلاعب فأكرمه وأحبّه ، ووثق بِهِ ، فأعمل القاضي الحيلة ، وكتب إلى أَبِي طاهر الصّائغ ، أحد رؤوس الباطنيّة ومن الواصلين عند رضوان صاحب حلب ، واتفق معه على الفتك بابن ملاعب ، وأحس ابن ملاعب فأحضر القاضي ، فجاء وفي كمه مصحف ، وتنصل وخدع ابن ملاعب ، فسكت عَنْهُ ؛ وكتب إلى الصائغ يشير عليه بأن يحسن لرضوان إنفاذ ثلاثمائة رجلٍ من أهل سَرْمِين الذين نزحوا إلى حلب ، وينفذ معهم خيلاً من خيول الفرنج ، وسلاحاً من سلاحهم ، ورؤوساً ، من رؤوس الفرنج ، فيأتون ابن مُلاعب في صورة أنّهم غُزاة ، ويشكون من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم ، وأنهم فارقوه ، فلقيتهم طائفة من الفرنج ، فنصروا على الفرنج ، وهذه رؤوسهم ، ويحملون جُمَيْع ما معهم إِلَيْهِ ، فإذا أذِن لهم في المقام عنده يتفق معهم على إعمال الحيلة عليه . ففعل الصائغ جميع ذلك ، وجاؤوا بتلك الصورة ، وقدّموا لابن مُلاعب ما معهم من خيل وغيرها ، فانزلهم ابن مُلاعب في رَبَض فَامِيَة ، فقام القاضي ليلةً هُوَ ومن معه بالحصن ، فدلوا حبالًا ، واصعدوا أولئك من الرَّبَض ، ووثبوا عَلَى أولاد ابن مُلاعب وبني عمّه فقتلوهم ، وأتوا ابن مُلاعب وهو مع امرأته